الشيخ الصدوق

138

الأمالي

فاستترت له ، وأخملت ( 1 ) الحركة ، فركع ركعات في جوف الليل الغابر ، ثم فزع إلى الدعاء والبكاء والبث والشكوى ، فكان مما ناجى به الله أن قال : إلهي ، أفكر في عفوك ، فتهون علي خطيئتي ، ثم أذكر العظيم من أخذك فتعظم علي بليتي . ثم قال : آه إن أنا قرأت في الصحف سيئة أنا ناسيها وأنت محصيها ، فتقول : خذوه ، فيا له من مأخوذ لا تنجيه عشريته ، ولا تنفعه قبيلته ، يرحمه الملا إذا أذن فيه بالنداء . ثم قال : آه من نار تنضج الأكباد والكلى ، آه من نار نزاعة للشوى ( 2 ) ، آه من غمرة من ملهبات ( 3 ) لظى . قال : ثم أنعم ( 4 ) في البكاء ، فلم أسمع له حسا ولا حركة ، فقلت : غلب عليه النوم لطول السهر ، أوقظه لصلاة الفجر . قال أبو الدرداء فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة ، فحركته فلم يتحرك وزويته ( 5 ) فلم ينزو ، فقلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، مات والله علي ابن أبي طالب . قال : فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم ، فقالت فاطمة ( عليها السلام ) : يا أبا الدرداء ، ما كان من شأنه ومن قصته ؟ فأخبرتها الخبر ، فقالت : هي والله - يا أبا الدرداء - الغشية التي تأخذه من خشية الله ، ثم أتوه بماء فنضحوه على وجهه ، فأفاق ونظر إلي وأنا أبكي ، فقال : مم بكاؤك ، يا أبا الدرداء ؟ فقلت : مما أراه تنزله بنفسك . فقال : يا أبا الدرداء ، فكيف لو رأيتني ودعي بي إلى الحساب ، وأيقن أهل الجرائم بالعذاب ، واحتوشتني ( 6 ) ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ ( 7 ) ! فوقفت بين يدي الملك الجبار ، قد أسلمني الأحباء ، ورحمني أهل الدنيا ، لكنت أشد رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية .

--> ( 1 ) أي أخفيت . ( 2 ) الشوى : جمع شواة ، وهي جلدة الرأس ، والشوى أيضا : الأطراف . ( 3 ) في نسخة : لهبات . ( 4 ) أي أطال وزاد ، وفي نسخة : انغمر . ( 5 ) زوى الشئ : جمعة وقبضه . ( 6 ) احتوش القوم القاسي .